من هو أبو الفضل بن الخشاب وما تقييم الشيخ له؟ وهل له دور في التصدي للصليبيين؟

شارك الإجابة على Google Twitter Facebook Whatsapp Whatsapp

من هو أبو الفضل بن الخشاب وما تقييم الشيخ له وهل له دور في التصدي للصليبيين


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
عظم الله أجوركم بذكرى استشهاد الإمام الصادق عليه السلام، ولعنة الله على قاتليه.

بمراجعة الشيخ أفاد أن بني الخشاب هم «بيت حشمة وتشيع» من كبراء الحلبيين كما قاله الذهبي في (تاريخ الإسلام ج47 ص391). ومنهم القاضي أبو الفضل يحيى بن الخشاب الموصوف بأنه «رئيس الشيعة المرجوع إليه في حفظ المدينة والنظر في مصالحها» كما عند الذهبي وابن العديم (تاريخ الإسلام ج40 ص235 وزبدة الحلب في تاريخ حلب ص269).

وعندما اشتدت محاصرة الصليبيين لحلب عانى القاضي ابن الخشاب من جبن وخنوع أميرها البكري رضوان بن تُتُش السلجوقي المتحالف مع الإسماعيلية الباطنية، والذي بلغ به جبنه أن صالح الصليبيين على شروط مذلة منها تعليق الصليب على منارة الجامع الكبير! إذ لم يكن يهتم هذا البكري إلا بأن يبقى أميرا كيفما كان، ولو بتمكين الصليبيين من إذلال المسلمين واحتلال ديارهم. ينقل كامل الغزي «أن الفرنج الصليبيين لما ملكوا أنطاكية طغوا في بلاد حلب وعاثوا وأفسدوا، فخافهم رضوان بن تاج الدولة تُتُش لعجزه عن دفعهم، واضطر إلى مصالحتهم، فاقترحوا عليه أشياء كثيرة من جملتها أن يحمل إليهم في كل سنة قطيعة من مال وخيل، وأن يعلق بقلعة حلب هذا الجرس، ويضع صليبا على منارة الجامع الكبير! فأجابهم إلى ذلك! فأنكر عليه القاضي يحيى بن الخشاب - وكان زمام البلد بيده - فراجع الفرنج في أمر الصليب، فأذنوا له في وضعه على كنيسة هيلانة، وبقي بها إلى أن جُعلت جامعا» (نهر الذهب في تاريخ حلب ج2 ص28).

ومن هذا الذي نقله الغزي تعلم أن هذا الأمير البكري الخائن كان يهاب هذا العالم الشيعي الشريف الذي كان يمتلك السلطة الشعبية الحقيقية في حلب، والذي يعود الفضل إليه في مقاومة الصليبيين ورد إذلالهم للمسلمين، فهذا الذي أشار إليه الغزي من تحويل تلك الكنيسة إلى جامع إنما كان بأمر ابن الخشاب أيضا، مع جملة كنائس أخرى كلها حُوِّلتْ بأمره إلى مساجد، إذ يذكر ابن العديم أنه بعدما دنَّس الفرنج المشهد المشهور باسم المحسن بن الحسين عليه السلام في حلب حيث نبشوه وأحرقوه؛ وعبثوا بالمصاحف الشريفة وسخروا من الإسلام وارتكبوا الفظائع؛ أمر أبو الفضل بن الخشاب الذي كان يتولى تدبير أمر المدينة آنذاك بتغيير كنائس النصارى «فاتخذ فيها محاريب إلى جهة القبلة وجعلها مساجد. أخبرني بذلك والدي رحمه الله عن أبيه» (بغية الطلب في تاريخ حلب ج1 ص412).

ولقد كان ابن الخشاب يتحلى بروح المسؤولية الإسلامية العامة العابرة للانتماء المذهبي حين يكون الإسلام كله في خطر، ولذلك سافر بنفسه رفقة وفد معه إلى بغداد لحمل الحاكم هناك على مقاومة الصليبيين «فاستغاثوا، وأنزلوا الخطيب عن المنبر وكسروه، وصاحوا وبكوا لما لحق الإسلام من الإفرنج وقتل الرجال وسبي النساء والأطفال، ومنعوا الناس من الصلاة، والخدم والمقدمون يعدونهم عن السلطان بما يسكنهم من إنفاذ العساكر والانتصار للإسلام من الإفرنج والكفار. وعادوا في الجمعة الثانية المصير إلى جامع الخليفة وفعلوا مثل ذلك من كثرة البكاء والضجيج والاستغاثة والنحيب» (تاريخ دمشق لابن القلانسي ج1 ص277).

وعلى أثر هذا الضغط استجاب أمراء السلاجقة وشكلوا جيشا موحدا لحرب الصليبيين قدم من الموصل وغيرها، ولكنهم ما إن حاصروا بعض حصونهم في الشام حتى دبَّ النزاع في ما بين أولئك الأمراء البكريين، إذ كان كل أمير يطمع في القيادة منفردا، حتى خان بعضهم بعضا حين راسلوا الصليبيين سرا! وانضم إلى الخيانة أمير حلب المذكور؛ رضوان بن تُتُش، الذي أقفل أبواب المدينة ومنع تزويد الجيش بالمؤن، بل وسجن ابن الخشاب وكل من كان معه! وكانت النتيجة الطبيعية لذلك أن يفشل هذا الجيش في تحقيق انتصار حقيقي على الصليبيين يوقف استيلائهم على بلاد المسلمين، فعاد الجيش وقد انفرط عقده وتشتت.

إلا أنه مع هذه النتيجة المأسوية جراء التخاذل البكري لم تضعف عزيمة ابن الخشاب الشيعي في مقاومة عباد الصليب، ولا سيما بعدما هلك رضوان بن تُتُش، فكان أن أرسل  إلى أمير ماردين إيلغازي بن أرتق؛  يحرضه على قتال الصليبيين ويعرض عليه تسليم حلب له ليحكمها، رغم أنه بكري أيضا لم يكن على مذهبه، وما ذلك إلا لأن هذا الأمير عُرفت عنه شدة بأس، والمهم هو إنقاذ بلاد المسلمين. يقول ابن العديم: «ويئس أهل حلب من نجدة تصلهم من أحد من الملوك، فاتفق رأيهم على أن سيروا الأعيان والمقدمين إلى إيلغازي بن أرتق، واستدعوه ليدفع الفرنج عنهم، وظنوا أنه يصل في عسكر يفرج به عنهم، وضمنوا له مالاً يقسطونه على حلب يصرفه إلى العساكر، فوصل في جند يسير، والمدبر لحلب جماعة من الخدم، والقاضي أبو الفضل ابن الخشاب هو المرجوع إليه في حفظ المدينة والنظر في مصالحها، فامتنع عليه البلد، واختلفت الآراء في دخوله، فعاد فلحقه القاضي أبو الفضل بن الخشاب وجماعة من المقدمين، وتلطفوا به ولم يزالوا به حتى رجع. ووصل إلى حلب، ودخلها، وتسلم القلعة، وأخرج منها سائر الجند وأصحاب رضوان» (زبدة الحلب في تاريخ حلب ص269).

وقد أدى ذلك فعلا إلى الانتصار على الصليبيين، حيث اجتمع لإيلغازي بن أرتق جيش لا بأس به «وأقبل القاضي أبو الفضل بن الخشاب يحرض الناس على القتال، وهو راكب على حجر وبيده رمح، فرآه بعض العسكر فازدراه وقال: إنما جئنا من بلادنا تبعًا لهذا المعمم! فأقبل على الناس، وخطبهم خطبة بليغة استنهض فيها عزائمهم، واسترهف هممهم بين الصفين، فأبكى الناس وعظم في أعينهم... وألقى الله النصر على المسلمين، وصار من انهزم من الفرنج وقصد الخيام قتل». (المصدر نفسه ص271).

وقد تكرر هذا الانتصار مرة أخرى بجهود القاضي ابن الخشاب في مرحلة ما بعد إيلغازي، فحينما حاصر الصليبيون حلب للمرة الثانية وقد أعدوا العدة للانتقام؛ قام ابن الخشاب بتنظيم صفوف الجند ونصب الكمائن للصليبيين وتعزيز الحراسة على المدينة، فكانت عصية عليهم. وفي الأثناء أرسل وفودا إلى الأمراء البكريين، في حس إسلامي مسؤول يتجاوز - مرة أخرى - المذهبيات في الملمات. فأرسل إلى أمير ماردين تمرتاش، ولكن هذا الأمير البكري كان نذلا فقد رفض نجدة أهل حلب، وعلاوة على ذلك قام بحبس أعضاء الوفد الحلبي في إحدى سجونه! وبعدما تمكنوا بعد فترة من الهرب؛ لجأوا إلى أمير الموصل آق سنقر البرسقي، الذي كان مريضا فاستغل الوفد ذلك بأن حثوه على أن ينذر إن شفاه الله من المرض أن يستجيب لطلب ابن الخشاب، وبالفعل فقد شفي بعد ثلاثة أيام فقط! فأرسل جيشا ما إن وصل إلى الموصل حتى خرج ابن الخشاب بنفسه لاستقباله وتحيته. وهكذا كتب الله للمسلمين مرة أخرى الانتصار على الصليبيين الذين منيوا بشر هزيمة تاركين غنائمهم وإمداداتهم وراءهم.

بيد أنه وبعد كل هذه التضحيات والتاريخ المشرف في الجهاد؛ لم يحفظ البكريون حرمة لهذا العالم الشيعي، فما إن سيطر إسماعيل بن نور الدين محمود زنكي على حلب، وثارت فتنة بين الطائفتين، استدرج إسماعيل المذكور ابنَ الخشاب وقتله غدرا بعدما أعطاه الأمان، والشيعة تحت القلعة وقوف فتفرقوا! (تاريخ الإسلام للذهبي ج40 ص236 والبستان الجامع لجميع تواريخ أهل الزمان للعماد الأصبهاني ص407)

وبعد هذا السرد لسيرته؛ يمكننا القول أنه عندنا مشكور محمود النقيبة، نقدر جهاده في دفع أعداء الأمة. وهو مثال ونموذج، يشهد على أن علماء شيعة أهل البيت صلوات الله عليهم؛ ما كانوا على ما يشيع الخصوم ببعيدين عن الدفاع عن ثغور الإسلام ورد المعتدين، فهذه سيرتهم المشرقة تخرس كل أفاك مفتر.

نقول هذا مع أنه قد تكون لدينا بعض الملاحظات على بعض قراراته.

وفقكم الله لمراضيه.

مكتب الشيخ الحبيب في أرض فدك الصغرى

26 شوال المكرم 1444 هجرية


شارك الإجابة على Google Twitter Facebook Whatsapp Whatsapp